ظاهرة الفتاوى المباشرة في وسائل الإعلام

2014-01-04 01:13:56 |

المقال من جمع وإعداد عفيف مصاروة

 

 

تعريف الظاهرة

 

إن الإعلام في يومنا هذا بتطوره التكنولوجي الكبير يمكن تسخيره في التوجيه والتغيير والبناء الإيجابي للمجتمع المسلم، فمن خلال الفتاوى الصحيحة المدروسة يمكن أن نوجه شريحة كبرى من المسلمين لعمل أمر معين، خاصة أن الإعلام في زماننا يتميز بنقل المعلومات بشكل سريع، ولا يمنعه إقليم ولا حد من الحدود الدولية، ولكن تقع الخطورة إن استُخدم هذا الإعلام بشكل سلبي خلافا للمذكور أعلاه، كالفتاوى المباشرة في وسائل الإعلام، والتي قد عجت وقامت ولن تقعد في زماننا هذا، وقبل أن نبدأ لا بد لنا أن نستطلع ونعرف بعض التعريفات:

 

 

الإفتاء: لغة - هو مأخوذ من الإبانة والإجابة، وفي لسان العرب: "أفتاه في الأمر أبانه له، وأفتى الرجل في المسألة واستفتيته فيها فأفتاني إفتاءً، وأفتى المفتي إذا أحدث حكما".

اصطلاحا – هنالك عدة تعريفات ظهرت في القرن السابع الهجري، فمثلا عرف ابن حمدان المفتي بقوله: "هو المخبر بحكم الله تعالى"، وعرف المناوي الفتوى بقوله: "الفتيا ذكر الحكم المسؤول عنه للسائل"، وعرف القونوي الفتوى بأنها جواب المفتي، وعليه فيكون التعريف المختار للإفتاء على أنه: الإخبار بحكم الله عن الوقائع بدليل شرعي.

 

المفتي: هو العالِم بالأحكام الشرعية وبالقضايا والحوادث، والذي رُزق من العلم والقدرة ما يستطيع به استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها وتنزيلها على الوقائع والقضايا الحادثة. والفتوى أمر عظيم لأنها بيان لشرع رب العالمين، والمفتي يوقّع عن الله تعالى في حُكمه، ويقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الشريعة، لذلك لا بد أن تتوفر في المفتي عدة شروط، أهمها:

أ- العلم بكتاب الله تعالى وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يتعلق بهما من علوم.

ب- العلم بمواطن الإجماع والخلاف والمذاهب والآراء الفقهية.

ت- المعرفة التامة بأصول الفقه ومبادئه وقواعده ومقاصد الشريعة والعلوم المساعدة مثل النحو والصرف والبلاغة واللغة والمنطق وغيرها.

ث- المعرفة بأحوال الناس وأعرافهم،  وأوضاع العصر ومستجداته، ومراعاة تغيرها فيما بني على العرف المعتبر الذي لا يصادم النص.

ج- القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص.

ح- الرجوع إلى أهل الخبرة في التخصصات المختلفة لتصور المسألة المسؤول عنها، كالمسائل الطبية والاقتصادية ونحوها.

 

ولا تؤخذ الفتوى من غير المتخصصين المستوفين للشروط المذكورة آنفا، والفتوى التي تُنشر في وسائل الإعلام المختلفة كثيرا ما لا تصلح لغير السائل عنها، إلا إذا كان حال المطلّع عليها كحال المستفتي، وظرفه كظرفه، وكذلك لا عبرة بالفتاوى الشاذة المخالفة للنصوص القطعية، وما وقع الإجماع عليه من الفتاوى.

 

وعلى المفتي أن يكون مخلصا لله تعالى في فتواه، ذا وقار وسكينة، عارفا بما حوله من أوضاع، متعففا ورعا في نفسه، ملتزما بما يفتي به من فعل وترك، بعيدا عن مواطن الريب، متأنيا في جوابه عند المتشابهات والمسائل المشكلة، مشاورا غيره من أهل العلم، مداوما على القراءة والاطلاع، أمينا على أسرار الناس، داعيا الله سبحانه أن يوفقه في فتواه، متوقفا فيما لا يعلم، أو فيما يحتاج للمراجعة والتثبت.

 

وسائلالإعلام: هي الوسائل التي يتم بها التبليغ والبيان للآخرين عبر تقنيات مختلفة، وهي وسائل مرئية كالتلفاز، ووسائل مسموعة كالإذاعة، ووسائل مقروءة كالصحف والانترنت، وقد تجتمع الوسائل الثلاث كما هو الحال في الانترنت في وقتنا الحاضر حيث يمكن التبليغ بها بالكتابة والتسميع والصورة المرئية، وهي من أهم الوسائل لأنها تسجل أيضا، ويدخل فيها أيضا الفتوى عبر الهاتف، وإن كانت الفائدة فيها أقل لأنها لا تسجل، ولا تنشر.

 

المباشرة: المقصود بالفتوى المباشرة هنا هي الفتوى التي تعرض على المفتي فيجيب عنها فورا، أي يجيب عنها دون أن تعرض عليه ليدرسها بدقة، فيرجع فيها إلى المصادر الأصلية والتبعية للفقه الإسلامي، وإلى أقوال العلماء القدامى أو المعاصرين، والمجامع والمؤتمرات والندوات الفقهية.

 

هذه الفتاوى المباشرة توجه من مقدم البرنامج أو من الجمهور مباشرة فيجيب عنها الشخص فورا، وبالتالي فإن هذه الفتاوى المباشرة لها خطورة أكبر وآثار كثيرة أكثر من أن تعرض الفتاوى على الشخص فيدرسها دراسة متأنية، فيرجع فيها إلى المصادر والمراجع، بل قد يستشير فيها أهل العلم والخبرة والدراية، وحينئذ يستطيع طالب العلم أن يجيب عنها، أما الفتاوى المباشرة فهي تحتاج إلى علم كبير، وثقافة واسعة، وخبرة وافية، وتجارب كافية، وملكة فقهية راقية في فهم النص والواقع، وقدرة رائدة في مجال التنزيل وتخريج المناط وتحقيقه، ودراية واسعة بمقاصد الشريعة، ودربة جيدة في نطاق فقه الأولويات والموازنات.

 

ولا شك أن هذه الوسائل الإعلامية المعاصرة سلاح ذو حدين، حيث يمكن استعمالها في الخير وفي الشر، وفي التوعية الجيدة والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أنه يمكن استعمالها في التضليل والتبرير للظلم والاستبداد والاستعمار والاستهبال، وتكريس الباطل والجهل والتخلف، ناهيك عن إحداث الفتن والحيرة لدى الناس.

 

وبالتالي فإذا لم تضبط الفتاوى الفقهية، بل والبرامج الدينية في وسائل الاعلام بصورة عامة، وفي الفضائيات بصورة خاصة فإن إثمها يكون أكبر من نفعها، وآثارها السلبية تكون أعظم من فوائدها، ومفاسدها تصبح أكثر من مصالحها.

 

ومن أكبر المشاكل في هذا الصدد هو أن يتصدى لهذه الفتاوى المباشرة من ليس أهلا للفتوى، ويزيد الطين بلة بالإجابة عن كل ما يعرض دون أن تسمع ولو مرة واحدة كلمة:  "لا أدري" التي كانت سمت السلف الصالح وزينة العلماء الربانيين على مر العصور السابقة، فقد سئل سيدنا مالك عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: "لا أدري"، وقد جاء رجل من بعيد إلى الفقيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (أحد فقهاء المدينة السبعة) فسأله عن مسألة، فقال: "إني لا أحسن الجواب عنه"، فقال السائل: "إنني جئتك قاصدا ولا أعرف غيرك؟" فقال له القاسم: "لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، فوالله لا أحسنه"، فقال شيخ من قريش: "يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم"، فقال القاسم: "والله لأن يقطع لساني أحب إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي به".

 

فالفتاوى المباشرة هي جولات حرة غير مقيدة بأي شيء، فقد تأتي الأسئلة في الدماء والفروج كما يمكن أن تأتي في أدق الأمور وأحدثها في نطاق البنوك والطب والاستنساخ، والمشاكل الاجتماعية والقضايا السياسية والاقتصادية، وفي القضايا التي تهم الأمة بأسرها، وهكذا.

 

فكيف بشخص واحد أن يجيب عنها في عالمنا الذي توسعت فيه العلوم والمدارك والثقافات، حتى أصبحت الجزئيات المتخصصة في القرن الماضي عموميات في عصرنا الحاضر.

 

ومع خطورة هذه الموضوعات التي لو سئل السلف الصالح عن واحد منها لجمعوا له أهل بدر فإن بعض من يتصدى لهذه الفتاوى لا تتوافر فيه أهلية الفتوى بصورة عامة ناهيك عن الفتوى المباشرة.

 

 

 

نذكرفيما يلي بعض النماذج لهذه الفتاوى المباشرة:

 

1) فتاوى في القضايا المصيرية مثل الصلح مع دول الكفر... وكذلك الفتاوى المهمة التي تتعلق بمصير الأمة الإسلامية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وفي قضايا التخلف والتضخم والتنمية والاستعمار. فمثل هذه القضايا المصيرية لا ينبغي فيها إصدار فتاوى فردية، بل تحتاج إلى المؤتمرات أو الندوات التخصصية التي تدرس الموضوع من كل جوانبه، والتي يشترك فيها عدد كبير من علماء الأمة، وبخاصة علماء أهل المنطقة، وأهل الذكر والخبرة والتخصص، وهذا لا يعني عدم بحث مثل هذه الموضوعات المصيرية، بل يقصد عدم إصدار فتاوى فردية مباشرة فيها، وإلا فإن الفتاوى الجماعية تعتمد على البحوث والدراسات الفردية التي قد يصيب بعضها، ويخطئ البعض الآخر، والكل له أجره على اجتهاده وجهده أو له أجران على اجتهاده وإصابته الحق.

 

2) فتاوى تصدر لأهل بلد لا يعلم المفتي شيئا من واقعهم وأعراقهم ومشاكلهم وظروفهم المحيطة بهم، أو إنه ليس بدرجة العلم الكافي، وبالتالي فلا يجوز له إصدار الفتاوى في شؤونهم كما نص على ذلك كبار المحققين من علمائنا.

 

3) فتاوى نابعة عن الجهل بالتأريخ، حيث صدرت فتوى من إحدى الأخوات في أمريكا بجواز أن تقاتل المرأة المجندة بجانب الرجل، ثم استدلت بأن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها خرجت في جيش قوامه ثلاثون ألف امرأة مقاتلة بجانب إخوانهم الرجال.

 

4) فتاوى نابعة من الجهل بالنصوص الشرعية، مثل الفتاوى التي صدرت بشأن كشف الرأس والعنق للمرأة، وإمامة النساء للرجال في صلاة الجمعة وغيرها.

 

5) فتاوى متشددة تنفر الناس، ولا تبشر، وتعسر عليهم ولا تيسر، وذلك مثل الفتاوى التي صدرت بأن صوت المرأة عورة، وتخصيص نوع خاص من اللباس للمرأة، وأن النقاب فرض قطعي وردت فيه نصوص قطعية، وهذا غير صحيح، فحالات الحجاب الشرعي دون النقاب كانت كثيرة في العصر النبوي، وكذلك بعض الفتاوى المتشددة حول العيش في بلاد غير المسلمين، والعلاقة بينهم وبين غيرهم.

 

6) فتاوى تصدر بناء على بعض المبادئ العامة دون ملاحظة النصوص الجزئية، مثل الفتاوى الصادرة بجواز تنصير المسلم أو تهويده بناء على مبدأ الحرية العامة وقوله تعالى:  "لا إكراه في الدين" متجاوزا بذلك النصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة والاجماع بشأن ردة المسلم.

 

7) فتاوى تصدر بشأن قضايا تخص المحاكم للفصل فيها، مثل قضايا النزاع، حيث لا يجوز شرعا الإفتاء فيها إلا بعد سماع الطرفين، وهذا غير متوافر في الفتاوى المباشرة.

 

8) فتاوى مبنية على معلومات ناقصة في قضايا تحتاج إلى تفصيل وتفريع، مثل السؤال عن الإجهاض، حيث كان الجواب بالمنع مطلقا، وهنا إما أن يأتي المفتي بجميع التفريعات وأحكامها، أو يسكت عنها.

 

9) فتاوى متعارضة في وقت واحد، ومجتمع واحد، وفي وقت واحد، وقد تكون من شخص واحد.

 

10) فتاوى ترفيهية بعيدة عن أحوال الأمة وواقعها، مثل الفتوى التي صدرت بجواز استحمام الفنانات في حوض سباحة من اللبن الخالص، في الوقت الذي يموت يوميا مئات الآلاف من الأطفال بسبب عدم وجود اللبن والغذاء والدواء، أو سوء التغذية.

 

11) فتاوى سلطانية تصدر لأجل تبرير الأحكام السلطانية، ولذلك حينما سئل أحد العلماء المحترمين عن مدى جواز الاستعانة بالامريكان في حرب تحرير الكويت قال: "هل وصل الأمريكان إلى بلادنا أم تنتظرون فتوانا؟" فقالوا: "يا مولانا: والله لقد وصلت الطليعة الأولى فقط"، فقال الشيخ: "إذن لا فتوى لدي"، وهذا من باب أضعف الايمان أن يسكت الانسان.

 

12) فتاوى لإرضاء عامة الناس الذي يحبون التشدد حيث يصفون المفتي المتشدد بالورع، أو لخوف اتهام العامة بأوصاف غير محببة.

 

13) فتاوى خاضعة للبيئة والتقاليد دون إظهار التأصيل الشرعي المطلوب، فنحن لا ننكر أهمية الأعراف والتقاليد، ولكن لا يجوز أن تكون على حساب النصوص الشرعية والمبادئ الكلية لشريعتنا الغراء.

 

14) فتاوى قائمة على الأخذ بأعناق النصوص وليِّها، وتأويلها تأويلا لا يمكن أن تقبله المعاني اللغوية والأعراف السائدة في عصر النزول والتشريع، وفي هذا المجال نجد نوعين من هؤلاء المفتين:

أ- حسن النية في الظاهر، حيث يريدون الدفاع عن الإسلام وإظهار صورته بما يتفق مع العصر، وهذا يحدث في مجال الرد على الاتهامات التي وجهها للإسلام بعض المستشرقين أو الحاقدين على الإسلام، فيقوم هؤلاء بتأويل النصوص لتتفق مع المراد، مثل تأويل "طيرا أبابيل" بالجراثيم والمكروبات، ومثل إجازة بعض الصيغ في البنوك الإسلامية بحجة إيجاد بديل عن القرض بفائدة.

ب- الذين حصروا النصوص على فترة زمنية محددة، فأولوها على هذا الأساس، مثل نصوص المواريث والحدود، أو حكموا المصالح -في نظرهم- وجعلوها حاكمة على النصوص، أو نحو ذلك.

 

 

 

أسبابالظاهرة

 

هناك أسباب كثيرة يمكن أن نذكر بعضها، وهي:

 

1) حبّ الظهور والشهرة، وبالتالي ادعاء العلم، وعدم الاعتراف بالجهل لأي شيء، مع أن العلم نسبي، حيث يقول الله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، ويقول تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا)، ويقول كذلك في أهمية السؤال عن أهل الذكر: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، حتى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الروح، وأهل الكهف، وعن ذي القرنين، لم يجب، وأراد الله تعالى أن يؤخر الجواب حتى يكون قدوة في التروي والصبر على الرغم من أن اليهود والمشركين كانوا له بالمرصاد، وأنهم جاهزون لاتهامه، فلم يعبأ بهم ولا باتهاماتهم.

 

2) الجهل بالضوابط والشروط الصعبة للفتوى، وبالضوابط والمبادئ الحاكمة في علم أصول الفقه بشأن التفسير والتأويل.

 

3) الهزيمة النفسية لدى هؤلاء بسبب الضغوط السياسية والاجتماعية وضغوط أعداء الإسلام من توجيه الاتهامات الكثيرة للإسلام في مختلف المجالات، فنجد بعض المفتين يقومون بليّ أعناق النصوص وتأويلها تأويلا غير مقبول للوصول إلى جواب يتفق مع ما يريده هؤلاء، وقد حدث ذلك في القديم والحديث، حيث فسر بعضهم الملائكة بمجرد قوة للخير، والجن بقوة للشر، وهكذا.

 

 

وهنالك أسباب أخرى قد تتواجد أيضا عند بعض المتخصصين الذين قد توافرت فيهم الشروط المطلوبة في المفتي كما ذكرت في بداية التقرير، وهي:

1) تسييس الفتوى، أي استعمال الفتوى لصالح جهة معينة بعيدا عن منهج العدل المطلق وعدم الانحياز إلى الحق.

 

2) سيادة روح التعصب القومي، أو التعصب القبلي، أو التعصب الوطني، بعيدة عن أممية الإسلام، وعن روح الأخوة الإيمانية الخالصة لله تعالى المذكورة في قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فنرى مع الأسف الشديد أن هذه الأراوح المتعصبة (القومية، والقبلية، والوطنية) جاثمة ومؤثرة في معظم الفتاوى.

 

3) الروح المذهبية المتعصبة لا زالت سائدة في معظم الفتاوى، حتى العلماء الذين يدعون السلفية فإذا بمعظمهم ينشرون مذهبا معينا بدلا من الفقه المقارن بضوابطه ومنهجيته التي تؤدي إلى ترجيح ما يرجحه الدليل.

 

4) قد يتهم المجيب (ما يسمى بالمفتي) الرأي الذي يقول به بعض الفقهاء المخالف لما يراه هو بالبدعة، ولربما يخطّئ من قال به مهما بلغت منزلته العلمية، فمن المفروض أن يذكر جميع آراء الفقهاء في المسألة الواحدة، ولا مانع بعد ذلك من أن يرجح رأيا يراه هو الأرجح، ويترك الخيار للسامع مع بقية الآراء، وعليه أن يأخذ بعين الاعتبار أن هنالك من يسمعه ممن هو حنفي وشافعي ومالكي، وليس كل مستمع إليه مقلد لرأيه أو لسيدنا الإمام أحمد بن حنبل.

 

5) عدم استقلال معظم المفتين لأي سبب كان، وبخاصة معظم المؤسسات الرسمية للإفتاء.

 

6) عدم التفريق بين الفتاوى العامة، والفتاوى الخاصة.

 

7) استدراج المفتي للتوظيف المراد للفتوى من قبل مقدمي البرامج، أو من قبل السياسيين بسبب عدم خبرته ومعرفته بالمكر والناس، ولذلك اشترط العلماء في المفتي أن يكون عارفا كيسا فطنا ذكيا بالناس، وبحيل بعضهم، واستدراجهم.

 

8) الاعتماد على ظاهرة السؤال دون الاعتماد على باطنه وحقيقته ومحتواه، ودون النظر في مؤدى جوابه، ومآلاته، ونتائجه.

 

9) تتبع الرخص والتلفيق، أو التشدد وسد الأبواب كلها إلا ما فتح بدليل، في حين أن الأصل في العادات والمعاملات والشروط الإباحة.

 

10) عدم التفرقة بين ميزان العبادات، وميزان العادات والمعاملات.

 

11) الخضوع للرأي العام والمسايرة مع عواطف الجماهير، مثل الخضوع لسلطة الحاكم، بل قد يكون أخطر منه، لأن المفروض من العلماء أن يقودوا الجماهير بحق وعدل، وأن يرتقوا بهم، لا أن يخضعوا للأهواء والعواطف، وتقودهم العامة.

 

 

 

آثار الظاهرة على الفرد والمجتمع

 

من خلال المادة السابقة تقرأ أخي المسلم بين السطور ما هي المخاطر التي قد تؤديها مثل هذه الفتاوى، ومع هذا نذكر بعض الآثار لمثل هذه الفتاوى (بخاصة الفتاوى التي تخالف أصلا من أصول الإسلام، أو نصا من نصوص الشريعة)  فنجد آثارا خطيرة على الفرد والمجتمع، وعلى مسيرة الأمة الإسلامية وصحوتها المباركة، من أهمها:

 

1) إصدار بلبلة وحيرة، سواء كان على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، وكذلك إحداث بلبلة بين صفوف المسلمين، وذلك يتجلى من خلال كل ما ذُكر سابقا، وهذا الأثر هو من أهم الآثار السلبية التي تنتج بين المسلمين، لأنها تشتت صفوفهم وهذا ما حدث فعلا في أيامنا.

 

2) التأثير على هيبة العلماء واحترامهم بين الناس، بل والتشكيك في قدراتهم أو نزاهتهم، وذلك من خلال إيجاد مبررات لاتهامات عامة باطلة لا تصدق إلا على قلة قليلة، ولكن تعمم على الجميع مع الأسف الشديد.

 

3) تحليل الحرام وتحريم الحلال الذي هو من الكبائر بلا شك، وقد يصل إلى مرحلة الشرك إذا كان عن عمد، وهذه كانت آفة علماء أهل الكتاب والجاهليين، الذين حرموا ما أحل الله، وقالوا بزعمهم هذا حلال وهذا حرام.

 

4) استهانة عامة الناس بالفتاوى ظانين أنها أمر عابر سريع كأي شيء في حياتهم.

 

5) انحياز بعض الناس لفتوى من هذه الفتاوى التي تتفق مع هواهم ويلقون المسؤولية على المفتي.

 

6) تبديع وتكفير بعض الناس من البعض الآخر نتيجة صدور فتوى لا يبين فيها المفتي الآراء الأخرى، أو إنه يصف الآراء الأخرى بالبدعة وما إلى ذلك.

 

 

 

الحلول المقترحة للحد من الظاهرة

 

من خلال عرض المادة السابقة نجد في غالب المشاكل حلولها قائمة داخلها، سواء ذُكرت بشكل مباشر أم لم تُذكر بشكل مباشر، وهنا نورد حلولا إضافية أخرى، أهمها:

 

1) إيجاد مرجعية جماعية، إما من خلال المجامع الفقهية، أو المؤتمرات والندوات الفقهية، بحيث يلتزم المفتون بالقرارات والفتاوى الصادرة منها، أو على الأقل في نطاق الفتاوى المباشرة.

 

وفي هذا الاطار اقتُرحت عدة اقتراحات أخرى، فقد اقترح عدد من الدعاة والعلماء تشكيل مجموعة في كل بلد لإصدار فتاوى جماعية في كل ما يعرض من الأسئلة الواردة إليها أو إيجاد دائرة عالمية لذلك. وجرى استبيان بين خمسة وأربعين عالما حول سؤال وجه إليهم: ما رأيك في تشكيل مجموعة من طلبة العلم تتداول أمر الفتوى في المشكلات والمعضلات وتجيب عنها ؟، وكان إجمالي المشاركين هو 45، فأجاب 38 بـ (نعم) أي 84.4%، وأجاب 4 بـ (لا) أي 8.9%، ولم يجب عن السؤال 3 فقط. وكذلك جرى استبيان حول السؤال الآتي: ما رأيك في وجود آلية إسلامية عالمية مستقلة، تستطلع آراء العلماء في مختلف الأصقاع حول القضايا الملحة والنازلة؟، وتقدم عرضا محايدا بالآراء المختلفة بموضوعية تامة، لتلخيص الفتوى من التلوين الذي يحدثه كونها ضمن إطار سياسي أو مذهبي أو اقليمي محدد؟، وكان إجمالي المشاركين هو 45، فأجاب 36 بـ (نعم) أي 80.0%، وأجاب 6 بـ (لا) أي 13.3%، ولم يجب عن السؤال 3 فقط.

 

ولا شك أن تشكيل مجموعة من طلبة العلم تتداول أمر الفتوى في المشكلات والمعضلات أمر يراه ضروريا الغالبية العظمى من الدعاة وذلك لأسباب متباينة منها:

  • إعطاء قوة أكبر للفتوى.
  • سد الباب على استفتاء من لا علم له، ولكثرة هذه المشكلات المترتبة على ذلك.
  • ضعف جهات الفتوى الحالية أو عدم قبولها لدى الكثير من المجتمعات، ولكن وضع بعض الدعاة شروطا لهذه المجموعة منها التأهيل العلمي والعقلي، ووجود ضوابط لهذه المجموعة.

 

2) عقد مؤتمر أو ندوة عامة لعلماء المسلمين والإعلاميين الملتزمين وأصحاب القنوات التي لديها برامج الفتاوى المباشرة، أو على الأقل أصحاب القنوات الملتزمة يناقش فيه هذا الموضوع من خلال دراسات وبحوث واستبيانات للوصول إلى الحلول الناجعة لهذه المشكلة.

 

3) طرح ميثاق شرف بين المتصدرين للفتوى يتضمن أهم القواعد والضوابط الضرورية للفتوى يلتزم بها الجميع، وهذا يتطلب وضع مشروع يطرح للمناقشة للوصول إلى أهم البنود التي يتم الاتفاق عليها فيما بين العلماء، كما هو الحال بالنسبة للأطباء، حيث وضع (أمحوتب) أحد فراعنة مصر القسم الطبي للأطباء، ثم جاء (أبقراط) فوضع هو الآخر القسم الطبي، ثم قام الأطباء المسلمون منذ القرن الرابع الهجري بوضع ميثاق شرف عظيم للأطباء يتضمن القسم الطبي والضوابط والآداب الضرورية للأطباء جاء فيه: "أقسم بالله ربّ الحياة والموت... أن معلمي هذه الصنعة لي بمنزلة آبائي، فأواسيهم في معاشي... وأن أعلم الآخرين هذه الصنعة إن احتاجوا إلى تعلمها بغير أجرة ولا شرط... وأن لا أعطي -إذا طُلب مني- دواء قاتلا، ولا أشير بمثل هذه المشورة... ولا أشق أيضا عمن في مثانته حجارة لكن أترك هذا إلى من كانت حرفته هذا العمل... وأن أحافظ على أسرار الناس ولا أنطق بها"، فما أحوجنا إلى مثل هذا الميثاق والقسم، ولا سيما أن علم الأديان هو النوع الثاني في العلاج، فالعلم علمان: علم الأديان لشفاء ما في الداخل والنفوس والقلوب، وعلم الأبدان لعلاج الأبدان وشفائها، فهما في الخطورة سواء، بل خطورة علم الأديان أكبر من خطورة علم الأبدان إذا لم توضع له الضوابط المطلوبة.

 

4) اشترط بعض الدعاة كتابة الفتوى، وهذا يعني أن تعرض الأسئلة على الشخص الذي يتصدى للافتاء قبل الإجابة عنها، حتى ولو كانت عبر القنوات الفضائية وذلك بأن تجمع الأسئلة الواردة سابقا على المفتي، ويجهز لها الأجوبة المناسبة كتابيا معتمدا على مكتبته وبقية المصادر المتاحة له، وعلى المشورة المطلوبة، وأهل الذكر والتخصص، وقد رتب استفتاء وزع على خمسة وأربعين عالما حول السؤال الآتي: ما رأيك في أهمية إصدار فتاوى مكتوبة في بعض القضايا التي تهم المسلمين محليا أو عالميا؟ وكان إجمالي المشاركين هو 45، فأجاب 38 بـ (نعم) أي 84.4%، وأجاب 3 بـ (لا) أي 6.7%، ولم يجب عن السؤال 4 فقط، وقد بين جميع الدعاة أهمية الفتوى، وأنها شيء لا يتنازع فيه اثنان، فهي الموجه الأساسي للقطاع العريض من الأمة، إما أن تكون مسموعة أو مكتوبة (مقروءة) ولكل واحدة أهميتها، وترى الأغلبية العظمى من الدعاة أهمية الفتوى المكتوبة لتوضيح الحق للناس، وانتشارها ونفعها، وللتواصل مع المجتمع الواسع، لكن يرى بعضهم أنه لا بدّ أن تكون من جهات موثوقة، وليست فردية، ولا بد من تمحصيها وتحقيقها، وهذا رأي أحد الدعاة الأكاديمين الذي انتقد الفتاوى الحالية، بسبب غياب أو قلة الفتاوى المستقلة، أو قصورها عن تلبية مضامين الأسئلة، أو بعدها عن مناط السؤال.

 

5) إصلاح المؤسسات الرسمية للفتاوى وتقويتها بالعلماء الثقات ودعمها بالكوادر الفنية، وإعطاء الحرية والاستقلالية لها لتنال ثقة الجماهير، وبالتالي تقوم هي بترشيح العلماء المؤهلين للفتاوى إلى القنوات الفضائية، أو وضع شروط عامة وضوابط وآداب يلتزم بها المتصدون للفتاوى.

 

6) ضبط الفتاوى المباشرة في وسائل الإعلام، فإذا أردنا أن نضبط هذه الفتاوى فلا بدّ أن تتوفر مجموعة من الشروط في المفتي، وفي الفتوى، ومنهجية الفتوى، وفي طبيعة التقديم والعرض على ضوء ما يأتي:

 

المفتي - فيجب أن تتوفر فيه الشروط التي سبق ذكرها في البداية، وأن يجمّل نفسه ببعض الآداب والشروط، مثل:

أ- أن يستشعر رقابة الله تعالى عليه، وأنه بين يدي الله تعالى، وأنه يوقع نيابة عن الشرع كما قال ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين...

ب ـ كونه موسوعيا على الطريقة القديمة، وإلا فيطلب أن تكون الحلقة خاصة بموضوع معين قد درسه وفهمه وله القدرة على الاستنباط أو الترجيح.

ت- الفهم العميق لمقاصد الشريعة، وفقه المصالح والمفاسد، وفقه الميزان والأوزان والموازنات.

ث- أن لا يقبل بالحلقة العامة التي يسأل فيها عن كل شيء، وإذا قبل فعليه إذا استشكل عليه الأمر فليقل: "لا أدري" أو يقل: "يؤجل الجواب عنه إلى حلقة أخرى أو إلى عالم آخر".

ث- أن تكون لديه الملكة الفقهية القادرة على المناورة والفهم وحسن التخلص، والإجابة المناسبة، بحيث يكون واعيا لعدم استغلاله لصالح جهة معينة.

ج- أن يكون لديه علم بأعراف البلد الذي ينتمي إليه السائل، وإلاّ فيتوقف فيه، أو يحيله على علماء أهل البلد نفسه.

ح- أن يتسم بالشجاعة وحسن الاستدلال، والصدع بالحق، فلا يخاف في الله لومة لائم، حيث إن استدلاله على الفتوى بأدلة قوية يجعل الناس يثقون بفتواه فيقبلونها.

 

الفتوى - فيجب أن يكون موضوع الفتوى فيه الضوابط الآتية:

أ- أن لا يكون من القضايا المصيرية للأمة، وإلاّ فيعتمد فيها على ما صدر من قرارت وفتاوى صادرة من المجامع الفقهية أو من كبار الفقهاء.

ب- أن لا يكون له خصوصية تخفى على المفتي.

ت- أن لا يكون من القضايا التي يتنازع طرف آخر غير السائل، فالنزاعات لا يمكن حلها عبر الهواء، وإنما تحل من خلال القضاء أو الصلح، بل الإجابة عنها قد تزيد الطين بلة.

ث- أن لا يكون من القضايا التي تحتاج فيها إلى تفصيل كبير، مثل أن يرد السؤال بلفظ: هل حلال نقل الأعضاء ؟

ج- أن لا يكون من الموضوعات الفرضية، وبعبارة أخرى ينبغي للمفتي أن لا يجيب في   الفتاوى المباشرة عن أشياء لم تتحقق بعد، بل ينبغي أن تكون إجابته على أشياء واقعية محددة.

 

منهجية الفتوى -  فلا بدّ أن تقوم منهجية الفتوى على ما يأتي:

أ- منهج الوسطية القائمة على الاعتدال.

ب- منهج التيسير ورفع الحرج ما أمكنه إلى ذلك سبيلا، حيث ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلاّ أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثما، وهذا يقتضي مراعاة ظروف الفرد والمجمتع، والأخذ بالتدرج واليسر والرفق.

 

طبيعة العرض والتقديم - فعلى المفتي أن يكون حذرا في مسألة العرض والتقديم، فيكون منتبها لا تجرّ رجله إلى ما لا يعنيه ولا يعني السائل أيضا، وكذلك ينبغي في البرامج الخاصة بالفتاوى الشرعية أن يكون المقدم للبرنامج ملتزما بالضوابط الشرعية، وإن كانت امرأة فعليها أن تكون ملتزمة باللباس الشرعي، وإلا حدث من أول الوهلة تناقض خطير أمام المشاهدين.

 

 

7) أن تصدر المؤسسات الإسلامية الرسمية العالمية كالأزهر الشريف من خلال اجتماع علمائها أمرا أو تحذيرا للأمة الإسلامية يتضمن كل المخاطر المذكورة أعلاه أو أكثر منها؛ حتى تتوسع آفاق الناس ويعرف كل واحد منهم مرجعيته الصحيحة، مع أن بعض المؤسسات في بعض الدول هي التي تُعنى بهذه البرامج للأسف.

 

8) أن تقوم بعض الجهات صاحبة السلطة القوية بإغلاق هذه الفضائيات التي تنشر مثل هذه الفتاوى، وهذا ما حدث فعلا قبل فترة وجيزة، فقد تم إغلاق بعض الفضائيات ومنعها من البث للعالم الإسلامي لما تثيره من فوضى.

 

نسأل الحق سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المصادر:

تم جمع المادة من المصادر الآتية:

- فوضى الإفتاء لأسامة الأشقر

- البدعة لعبد الملك السعدي

- الفتوى بين النص والواقع والثابت والمتغير لعلي محيي الدين القره داغي

 

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات حتى الآن !! كن من اول المعلقين .

اضافة تعليق

الاسم الكامل : *

المنطقة / البلدة :

البريد الالكتروني : *

التعليق : *

جميع الحقوق محفوظة لطريقة القاسمي الخلوتية الجامعة
تواصل معنا نرجو مراسلتنا على البريد الالكتروني : alqasimy@qsm.ac.il